سيد محمد طنطاوي
260
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : لا تحزنوا - أيها المؤمنون - لمسالك المنافقين معكم ، ولا تخافوا من تناجيهم فيما بينهم ، فإنها نجوى زينها لهم الشيطان ، واعلموا أن كيد الشيطان لن يضركم شيئا من الضرر في حال من الأحوال إلا في حال إرادة اللَّه - تعالى - ومشيئته . وما دام الأمر كما بينت لكم ، فاجعلوا توكلكم - أيها المؤمنون - على اللَّه - تعالى - وحده ، ولا تبالوا بالمنافقين ، ولا بتناجيهم ، ولا بما يسوله الشيطان لهم من قبائح ، فإن كل شيء بقضاء اللَّه وقدره . قال الآلوسي ما ملخصه : وحاصل هذا الكلام أن ما يتناجى المنافقون به مما يحزن المؤمنين . إن وقع فهو إرادة اللَّه - تعالى - ومشيئته ، ولا دخل للمنافقين فيه ، وما دام الأمر كذلك ، فلا يكترث المؤمنون بتناجيهم ، وليتوكلوا على اللَّه - عز وجل - ولا يخافوا من تناجيهم . ثم إن التناجي بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إذا كنتم ثلاثة ، فلا يتناجى اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه » . ومثل التناجي في ذلك ، أن يتكلم اثنان بحضور ثالث بلغة لا يفهمها الثالث ، إن كان يحزنه ذلك « 1 » . وروى الإمام مسلم عن ابن عمر قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه ، فإن ذلك يحزنه » « 2 » . والخلاصة أن تعاليم الإسلام ، تنهى عن التناجي في الحالات التي توقع الريبة في القلوب ، وتزعزع الثقة بين الأفراد والجماعات . وهذا النهى لون من الأدب الحكيم الذي يحفظ للمؤمنين مودتهم ومحبتهم ويبعد عن نفوسهم الشكوك والريب ، ويطرد عن قلوبهم نزغات الشيطان الذي يجرى من ابن آدم مجرى الدم . ثم لفت - سبحانه - أنظار المؤمنين إلى أدب رفيع فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّه لَكُمْ ) * . وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما روى عن قتادة أنه قال : نزلت
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 27 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 324 .